
النمو السريع للذكاء الاصطناعي يضاعف من هيمنة وسيطرة جوجل، ميتا، وأمازون على سوق الإعلانات الرقمية بدلاً من خلق منافسة جديدة
في حين كان من المتوقع أن يفتح تطور الذكاء الاصطناعي الأبواب أمام منافسين صغار وجدد، إلا أن البيانات الجديدة تثبت عكس ذلك؛ حيث يعمل الذكاء الاصطناعي على تعزيز هيمنة الشركات العملاقة مثل جوجل (Google)، ميتا (Meta)، وأمازون (Amazon) في سوق الإعلانات.
وفقاً لتحليل موقع "ديجي داي" (Digiday) الذي استند إلى إحصائيات "ماديسون آند وول" (Madison & Wall)، استحوذت هذه الشركات الثلاث معاً في عام 2025 على 56% من إجمالي إيرادات سوق الإعلانات الأمريكية (باستثناء الإعلانات السياسية)، في حين كانت هذه النسبة 53% فقط في عام 2024.
خلال تلك الفترة، ارتفعت حصة جوجل في السوق من 28% إلى 29%، وميتا من 17% إلى 19%، وأمازون من 8% إلى 9%. وفي المقابل، انخفضت حصة جميع الشركات والمنصات الأخرى مجتمعة من 47% إلى 43%. ولكن السؤال هو: ما هو دور الذكاء الاصطناعي في هذا التغيير؟
تتجه المنصات الثلاث بسرعة نحو استخدام الأنظمة الآلية (المؤتمتة) في إدارة الإعلانات. على سبيل المثال، تقوم جوجل من خلال "Performance Max" و"AI Max"، وكذلك ميتا عبر "Advantage+"، بتفويض جزء كبير من المهام الأساسية مثل تحديد الجمهور المستهدف، ومواضع عرض الإعلانات، وتحديد عروض الأسعار، وتوزيع الميزانية إلى الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
تشير توقعات "ماديسون آند وول" إلى أنه في عام 2026، ستتم إدارة حوالي 12% من الإنفاق الإعلاني في أمريكا من خلال الحملات الآلية أو الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمثل نمواً كبيراً مقارنة بنسبة 2% فقط في عام 2023، ومن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 27% من إجمالي السوق بحلول عام 2030.
هذا التوجه نحو الأتمتة يخدم المنصات العملاقة بشكل كبير. فكلما زاد الإنفاق عبر الأنظمة الآلية، جمعت المنصات بيانات أكثر لتطوير خوارزمياتها. وعندما تحقق الأنظمة نتائج أفضل، يضطر المعلنون إلى تخصيص ميزانيات أكبر. وهكذا تتشكل حلقة مغلقة تعزز من احتكار وقوة هذه الشركات، بحيث يُتوقع أن تصل حصتها في عام 2026 إلى 58% وتستمر في الارتفاع خلال السنوات اللاحقة.
بالنسبة للمتخصصين في مجال التسويق (المسوقين)، لا يعد هذا مجرد تغيير تكنولوجي بسيط. فعندما يقرر الذكاء الاصطناعي بنفسه أين تُنفق الميزانية، ومن هو المستخدم المستهدف، وأي إعلان يجب أن يُعرض، فإن جزءاً كبيراً من السلطة والتحكم في الحملات الإعلانية ينتقل من يد المعلن ليوضع في قبضة المنصات.
وهذا الأمر يثير سؤالاً جدياً حول "الشفافية": كيف يمكن للمعلن أن يتأكد من أن الخوارزمية تنفق الميزانية بأفضل طريقة ولصالحه هو، وليس فقط بطريقة تجعل الإحصائيات والأرقام تبدو أفضل لخدمة مصالح المنصة نفسها؟
في الختام، لا يعد الذكاء الاصطناعي في سوق الإعلانات مجرد أداة جديدة فحسب، بل إنه يغير خريطة توزيع القوة ورأس المال من جذورها. وإذا استمر هذا الاتجاه على هذا النحو، فبدلاً من كسر احتكار المنصات الكبرى، فإنه سيجعل جوجل وميتا وأمازون أكثر هيمنة وقوة من أي وقت مضى.













